الشيخ محمد رشيد رضا
414
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) الخ ( حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ ) أي حتى إذا تتابعوا وأدرك بعضهم بعضا فاجتمعوا كلهم فيها قالت أخرى كل منهم لأولاها ومقدميها في الرتبة والرياسة أو في الزمن أي لأجلها وفي شأنها - وإنما الخطاب للّه عز وجل - ربنا هؤلاء أضلونا عن الحق باتباعنا لهم وتقليدنا إياهم فيما كانوا عليه من أمر الدين وسائر الأعمال فأعطهم ضعفا من عذاب النار لاضلالهم إيانا فوق العذاب على ضلالهم في أنفسهم حتى يكون عذابهم ضعفين ضعفا للضلال وضعفا للاضلال ( قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ) أي يقول الرب تعالى لهم . لكل منهم ضعف من العذاب باضلاله فوق عذابه على ضلاله كما قال في آية أخرى ( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ولكن لا تعلمون كنه عذابهم . وذلك أن العذاب ظاهر وباطن أو جسدي ونفسي وقد وصف اللّه النار في سورة الهمزة بأنها تطلع على الأفئدة أي القلوب فإذا رأى الأتباع المتبوعين معهم في دار العقاب ظنوا أن عذابهم كعذابهم فيما يأكلون من الزقوم والضريع ويشربون من الماء الحميم ، وفيما تلفحهم النار بريحها السموم ، وفيما يلجؤن اليه من ظلها اليحموم ، فمثلهم معهم كمثل المسجونين في الدنيا ، منهم المجرم العريق في إجرامه من نحوت الناس وأشقيائهم ، والرئيس الزعيم في قومه ، العزيز الكريم في وطنه ، لا يشعر الأول بما يقاسيه الآخر من عذاب النفس وقهر الذل . بل يظن أن عقوبتهما واحدة في ألمها كما هي صورتها وحمل الأولى على الرؤساء المتبوعين والأئمة المضلين والأخرى على أتباعهم المقلدين لهم أظهر في المعنى من حملها على المتقدمين والمتأخرين في الزمن أو في دخول النار ، على أن شأن مبتدع الضلالة أن يكون متقدما في الزمن تقدما ما على من اتبعه فيها ولو في عصره ، وهذا هو الموافق لما في الآيات الأخرى كقوله تعالى ( 34 : 31 وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ) إلى آخر الحوار ، ومثله ما تقدم في سورة البة في سياق متخذي الأنداد من دون اللّه وجعلهم وسطاء عند اللّه أو طاعتهم في أمر الدين بغير وحي من اللّه وتبرؤ التابعين من المتبوعين ( 2 : 165 - 167 ) وقد استشهدنا في